محمد حسين علي الصغير
32
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
الانحدار والانزلاق في الهوة السحيقة التي كان ينبغي له أن يتجنبها ويكون في أمن من مزلقتها وتدهورها . هذا الطرح الموضوعي لمعنى الآية هو الذي يلائم الاستثناء المنقطع بعد الآيتين في قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ 6 التين / 6 . بدليل أن حكم الخلق التركيبي للانسان يستوي فيه المؤمن والكافر ، الموحد والملحد ، الصادق والمنافق ، بدليل قوله تعالى : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ 68 يس / 68 . و « من » من أدوات العموم ، فكل معمّر من الناس ينتكس في الخلق . هذه هي الحقيقة الأولى ؛ والحقيقة الثانية أن للّه خلقا آخر من الناس ليس من الطين ، وليس من طريق التزاوج التلقيحي ، ولكنه خلق إعجازي آخر بإرادته التكوينية المطلقة ، ونموذج هذا الخلق هو عيسى بن مريم عليهما السّلام ، قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 59 آل عمران / 59 . قال ابن عباس والحسن وقتادة : « هذه الآية نزلت في وفد نجران : السيد والعاقب ، قالا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ » « 1 » . فبدأ بيان ذلك بالرد على هؤلاء بالأصل التركيبي للانسان وهو التراب ، وبالأب الأكبر للبشر وهو آدم ، فخاطب القرآن الذائقة الفطرية بالمنطق الفطري ، واستنزل الحجة الصغرى بالحجة الكبرى ، وأبان أن منطق الاعجاز في الخلق يختلف عن المنطق الطبيعي في التكوين لدى التزاوج والتلاقح والتناسل ، فالأصل التركيبي للبشر هو التراب ، وهذا ما يقاس عليه عيسى عليه السّلام في التكوين ، فآدم : نشأته وتكوينه مباشران لم يسبقا بقانون طبيعي وكذلك عيسى ، وكلاهما خاضعان للإرادة التكوينية من قبل اللّه تعالى « كن فيكون » ، وهذا سر الحياة الذي لا يعلمه إلا اللّه ، دون التقاء ذكر بأنثى ، أو تلاقح خلية ببيضة ، وذلك طريق الاخصاب ، وسنن الانجاب « 2 » . والقرآن يكاد يستقطب الحديث عن المدرك الطبيعي والاعجازي في
--> ( 1 ) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 3 / 482 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 296 .